الشوكاني
277
نيل الأوطار
اجعلوه قدر استطاعتكم ، قال النووي : هذا من جوامع الكلم وقواعد الاسلام ، ويدخل فيه كثير من الاحكام كالصلاة لمن عجز عن ركن منها أو شرط فيأتي بالمقدور ، وكذا الوضوء ، وستر العورة ، وحفظ بعض الفاتحة ، وإخراج بعض زكاة الفطر لمن لم يقدر على الكل ، والامساك في رمضان لمن أفطر بالعذر ثم قدر في أثناء النهار ، إلى غير ذلك من المسائل التي يطول شرحها ، واستدل به على أن من أمر بشئ فعجز عن بعضه ففعل المقدور أنه يسقط عنه ما عجز عنه ، وبذلك استدل المزني على أن ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه ، ومن ثم كان الصحيح أن القضاء بأمر جديد ، واستدل بهذا الحديث على أن اعتناء الشارع بالمنهيات فوق اعتنائه بالمأمورات ، لأنه أطلق الاجتناب في المنهيات ولو مع المشقة في الترك ، وقيد في المأمورات بالاستطاعة ، وهذا منقول عن الإمام أحمد . ( فإن قيل ) : إن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضا إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، فجوابه أن الاستطاعة تطلق باعتبارين كذا قيل . قال الحافظ : والذي يظهر أن التقييد في الامر بالاستطاعة لا يدل على المدعي من الاعتبار بل هو من جهة الكف ، إذ كل واحد قادر على الكف لولا داعية الشهوة مثلا فلا يتصور عدم الاستطاعة من الكف ، بل كل مكلف قادر على الترك بخلاف الفعل فإن العجز عن تعاطيه محسوس ، فمن ثم قيد في الامر بحسب الاستطاعة دون النهي . قال ابن فرج في شرح الأربعين : إن الامر بالاجتناب على إطلاقه حتى يوجد ما يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة وشرب الخمر عند الاكراه ، والأصل في ذلك جواز التلفظ بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئنا بالايمان كما نطق به القرآن . قال الحافظ : والتحقيق أن المكلف في كل ذلك ليس منهيا في تلك الحال . وقال الماوردي : إن الكف عن المعاصي ترك وهو سهل ، وعمل الطاعة فعل وهو شاق ، فلذلك لم يبح ارتكاب المعصية ولو مع العذر ، لأنه ترك والترك لا يعجز المعذور عنه ، وادعى بعضهم أن قوله تعالى : * ( فاتقوا الله ما استطعتم ) * ( التغابن : 16 ) يتناول امتثال المأمور واجتناب المنهي وقد قيد بالاستطاعة فاستويا ، وحينئذ تكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الامر دون النهي أن العجز يكثر تصوره في الامر ، بخلاف النهي فإن تصور العجز فيه محصور في الاضطرار وهو قوله تعالى : * ( إلا ما اضطررتم إليه ) * ( الانعام : 119 ) وهو مضطر ، ولا يرد الاكراه لأنه مندرج في الاضطرار ، وزعم بعضهم أن قوله تعالى : * ( فاتقوا الله ما استطعتم ) * ( التغابن : 16 ) نسخ بقوله تعالى : * ( اتقوا الله